بستان اللغة الفارسية
أهلا وسهلا بك فى منتدى بستان اللغة الفارسية
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
pubarab

رائد الدراسات الفارسية في مصر"عبد الوهاب عزّام"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

متميز رائد الدراسات الفارسية في مصر"عبد الوهاب عزّام"

مُساهمة من طرف سلوقس في الإثنين أغسطس 30, 2010 11:43 pm

"عبد الوهاب عزّام"
يقول الدكتور صادق خورشا :


عبد الوهاب عزّام رجل حضاريّ، حمل همّ استعادة المسيرة الحضارية لهذه الأمة، فعمل في الحقل الجامعي والحقل الدبلوماسي وحقل التأليف والترجمة، وكان هدفه في كل ذلك واحداً هو ذلك التوجه الحضاري.
والملفت في مشروعه أنه اهتمّ بالتواصل العربي الايراني على الصعيد الفكري والادبي والعرفاني إيمانا منه بأهمية هذا التواصل في دفع المسيرة الحضارية وإنقاذ أمتنا من حالة الركود.
إنه رائد الدراسات الفارسية في الجامعات المصرية، ورائد التواصل الادبي بين العرب والايرانيين في عصرنا الراهن.
_________
* - استاذ الأدب المقارن بجامعة العلامة الطباطبائي.
لا تذكر الدراسات الشرقية في مصر إلا وتبادر إلى الذهن ذكر رجل كان له بين أقطابها مكانة مرموقة، وإذا ذكرت لفظة الرائد في هذا المجال كان هو المعني بها.
فعبد الوهاب عزام هو أول من عمل على إنشاء الدراسات الشرقية في مصر وأول من درس الفارسية والتركية وآدابها في الجامعة.
وهو صاحب المواقف النبيلة الدالة على شخصيته الاسلامية، كموقفه من قضية استبدال الحروف العربية باللاتينية التي دعا إليها «عبد العزيز فهمي» وقد خشي «عزام» أن تلقى دعوته قبولا لدى العرب، وكيف لا يخشى وهو يعلم بماعاناه الجيل الجديد بتركيا من جراء هذه الخطوة التي قام بها أتاتورك ويسمع ويقرأ لأنات المفكرين الترك من أصدقائه وغيرهم، مما فرضته السياسة المضللة التي حكمت على أمة بأن تنسى ماضيها وتجهل تراثها، ويسمع كذلك عن محاولات مثيلة قامت في إيران وأحبطها الشعب الايراني بقيادة رجال الدين الذين وقفوا منها موقفاً حاسماً وقاطعاً، فقام عزام خطيباً في المحاضرات وكاتباً في الثقافة والرسالة، يفند الحجج التي قدمها «عبد العزيز فهمي» مستشهداً بأقوال الترك أنفسهم على خطأ هذه التجربة، حتى تمكن في النهاية من إخماد هذه الدعوة وإحياء الثقافة الاسلامية وتراثها الخالد.
وعبد الوهاب عزام هو الذي ربط تراث الحضارات الاسلامية وحث على ضرورة التعرف على الثقافة الشرقية وبكل لغاتها.
وهو الذي قد ارتبط على مدى حياته العلمية كلها تقريباً بروابط الصداقة والأخوة مع رجال الفكر والثقافة، وكانت هذه الصداقات تقوم كلها على أساس واحد، هو الرقي بالأمم الشرقية وإثبات الهوية الاسلامية.

*حـــــــياتــــه*

ولد عبدالوهاب محمد عزام ببلدة الشوبك الغربي بمديرية الجيزة في الثامن والعشرين من المحرم سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة – الموافق أول أغسطس من عام ١٨٩٢م.
والشوبك مثابة عروبة أصيلة، ومنبت وطنية صادقة، وقد احتضنت الفتى الصغير بتاريخها ومواقفها ضد الاستعمار، فنشأ محباً للحرية مستمداً الشجاعة من مواقف رجالها الاحرار الذين لم يأبهوا بالسجن والتعذيب، ونهج نهجهم وشاركهم في توزيع «المنشورات» ضد الاحتلال الباغي، «وكاد يقع في أيدي رجال الاستعمار لولا صديق لاسرته من المواطنين الأجانب يتمتع بالحماية الاجنبية فأنقذه من أيديهم» [١].
ومادمنا في هذا الصدد - الحديث عن العروبة – والشيء بالشيء يذكر، فلنعرض لعروبة عزام ونحدد هذه الكلمة ونزعاتها العزامية، فهو قد فرق بين العروبة والعصبية العربية، وكان من الأدباء الذين بدأوا حياتهم الفكرية بالمقالات الداعية للتماسك والتعاون بين مصر والبلدان العربية وفي نفس الوقت كان يدعو الى التعرف على الهوية الشرقية الاسلامية وضرورة الترابط بين الامم المسلمة على اختلاف لغاتها، فلنسمعه وهو يقول:
«قل للذين يلتفتون عن المشرق ليولوا وجوهم شطر المغرب، إنما تعرضون عن أنفسكم وتاريخكم، فابدأوا بأنفسكم فاعرفوها، وبمآثركم فانظموها، ثم اعرفوا لغيركم أقدارهم ولا تبخسوا الناس أشياءهم» [٢].
كان والد عبد الوهاب عزام معروفاً بمكانته وخصاله بين أعيان الجيزة، وأعضاء الجمعية التشريعية، وكانت داره ملتقى العلماء والفضلاء، ومن مآثره أن أنشأ في بلدته الشوبك مدرسة، وقد عرف بجرأته في قول الحق ومناصرته للمظلومين، وكانت غايته في إعداد أبنائه، أن يكون زادهم للمستقبل هو العلم والدين، فتعهدهم بالتربية الدينية وأعدهم وأنشأهم على حب الثقافة بأنواعها.
التحق عبد الوهاب عزام بالمدرسة التي أنشأها أبوه في الشوبك، ثم انتقل إلى الازهر الشريف ومن الأزهر انتقل إلى معهد القضاء الشرعي وهناك برزت مواهبه، وحدد هو لنفسه من الوهلة الاولى الخطة التي أرادها لنفسه بعد التخرج والتحصيل وقد التزم بها حتى النهاية.
يقول الأستاذ الدكتور الخشاب: [٣]
إنه رسم لنفسه خطة منذ كان طالباً بالقضاء الشرعي، وإنه ظل طوال حياته يسير في اتجاه واحد لتحقيق مايقدر عليه من هذه الخطة، وهي خدمة الاسلام والعربية وقلّ أن نقرأ له بحثاً أو كتاباً لايكون مدار الحديث فيه الاسلام أو العربية.
وعين في بداية الأمر مدرساً بمعهد القضاء بعد أن حاز إجازته (شهادة العالمية) وكما كان متفوقا في التحصيل، أظهر تفوقه في التدرس وعندما افتتحت الجامعة المصرية القديمة التحق بها بهدف الحصول على ثقافة جديدة واسعة متعددة الابعاد.
وفي عام ١٩٢٠ حصل على إجازته في الآداب والفلسفة. وشاءت الأقدار بعد ذلك أن يتصل الشاب الشرقي النبيل بالحضارة الغربية لتكون بداية مشواره الطويل في مجال الدراسات الشرقية…
سافر عبد الوهاب الى «لندن» موظفاً بالسفارة المصرية، ولأنَّ نفسه التواقة إلى العلم لا تقنع أبداً، فهي دائماً متعطشة للمزيد، التحق بالجامعة الانجليزية وحصل منها على ماجستير الآداب، من مدرسة اللغات الشرقية وذلك في عام ١٩٢٨.
وعاد من لندن بتحصيل جديد في الثقافة واللغات وبأمل كبير يراود نفسه وسؤال يلح عليه:
لماذا يهتم الغرب هذا الاهتمام بدارسة تراثنا، وكيف فطن المستشرقون إلى ضرورة ربط الثقافة الاسلامية ببعضها، وعدها ثقافة واحدة لا تتجزأ ولم ينظروا إليها نظرة ضيقة تجعلها عربية فحسب؟ وشملت نظرتهم الثقافة في أوسع نطاق لها، فارسية وتركية وهندية؟
وهل من الممكن أن يكون لمصر دراسات على غرار هذه التي تدرس في لندن وكل بلاد المستشرقين؟
وكان هذا إيذاناً بعهد تدرس فيه اللغات الشرقية الاسلامية واللغات السامية في مصر، وتشعبت الدراسة واتسعت حتى أنشئ معهد اللغات الشرقية الذي يتابع فيه الطلاب دراستهم بعد التخرج من كلية الآداب.

*عزام في الجامعة*

بعد حصوله على الدكتوراه في الأدب بأطروحته عن الفردوسي، أصبح أستاذاً جامعياً وكان بدماثة أخلاقه وسعة إطلاع وتمكنه من الانجليزية والفارسية والتركية والعربية موضع الاعجاب بين زملائه وطلابه.
يقول عنه زميله وتلميذه المرحوم الدكتور الخشاب [٤].
«إنه نسيج وحده، يتسع أفقه، وتزداد ثقافته وتتنوع، ويقرأ الانجليزية والفارسية والتركية والأردية فلا يبعث هذا في نفسه ألا مزيداً من التواضع وأشهد أني ما رأيت عالماً، فيه السماحة والتواضع وإجلال العلم كما رأيته. وأشهد أني ما جلست بمجلس علماء فيه الاستاذ الا وكان أميلهم إلى الصمت وأحرصهم على السمع وأقلهم شوقاً إلى الكلام، ومع ذلك فكان هو الذي ترنو اليه الأنظار وتوجه إليه الأسئلة، كان كلامه هو المرتجى وحديثه هو المنشود.
ولقد كان الدكتور عزام سنة ١٩٣٢م يعمل بكلية اللغة العربية والجامعة المصرية فطبعت له الكلية مذكراته التي كان يحاضر بها طلبة السنة الأولى من الكلية عن (تاريخ الامة العربية) ونشرتا في كتاب بنفس العنوان، ويعد من مؤلفاته الأولى. ومن يطالع هذا الكتاب تتأكد لديه أستاذيه هذا الرجل وقوة استنباطه للأحداث المستقبلية فقد مس فيه أخطر قضايا عصرنا هذا وأكثرها تلاصقا ومساساً بالوجود الاسلامي والعربي وهي قضية (اليهود)».

ويحدثنا عنه تلميذه المحاسني فيقول:
«كان عزام، يطالع طلبته بوجه باسم فهو يرى فيهم أولاده، وكان يلقي محاضراته على البديهة تنضح كلماته ببيان ودقة ومنطق متواتر، وكانت طوابع أسلوبه العربية واضحة جلية، فهو لايكاد يمضي في موضوع حتى تتدفق عليه الآيات القرآنية والشواهد الشعرية والأدبية من التراث القديم وأشعار إقبال وأقوال المتصوفة.
«وكان أستاذاً جامعياً عطوفاً دقيقاً في البحث والارشاد في موضوع الرسائل الخاصة بدرجة الماجستير والدكتوراه يشرف على رسائل أصحابها بدقة وعناية ويهديهم السبيل إلى مصادرها وهو برغم تشديد النقد والحوار على المتقدمين لنيل درجة الماجستير والدكتوراه، فإن أسئلته كانت دائماً تدور في مجال مفهوم، ولم يسأل في مرة واحدة برغبة منه في إحراج
الطالب» [٦].
وقد أتاح لطلاب الجامعة التعرف على الشخصيات الأقطاب من شعراء الشرق من أمثال الشاعر الكبير محمد عاكف وقد كان حريصاً على أن يشعره بمكانته وصادق دعوته فأفسح له المجال ليحاضر في الجامعة وليتعرف على جمهور الشباب العريض، وقد مهد لذلك بأن تحدث في محاضراته عن شخصية «محمد عاكف» ووصفه بأنه «صاحب رسالة أصلح ماتكون لبث الوعي الاسلامي ولبث العزة في نفوس المسلمين» ثم شرع بعد ذلك في عرض أشعاره على الطلبة وتوضيح الأثر العربي فيها، وقد آمن عزام برسالة عاكف تماماً، ولهذا لم يكتف بنشر آرائه وأشعاره في الجامعة بل نشرها كذلك في مجلة «الرسالة» الشهيرة آنذاك.
وكما قدم «عاكف» إلى القارئ العربي، كان كذلك أول من عرّف بالشاعر «محمد إقبال».
هكذا كان عبد الوهاب عزام في الجامعة التي أحبته قدر ما أحبها، وكرس حياته لها، فلا غرو أنه حينما عرض أمر نقله من الجامعة إلى وزارة الخارجية أن تمسكت به الجامعة وقرر مجلسها في أن الجامعة لايمكن أن تستغني عن حضرة الاستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام نهائياً، وإنما يوافق المجلس على ندب سيادته مؤقتاً ولمدة ثلاثة شهور يعود بعدها إلى الجامعة [٧].

*أدب الدكتور عزام*

يتضح أدب عزام من خلال البدائع النثرية والشعرية التي تحتوي عليها مقالاته وتأملاته ومؤلفاته العلمية. وقد جمع أوائلها في كتاب أسماه «الأوابد» وأعاد طبعه بعد أعوام قليلة مع الاضافة، وكانت الصبغة الصوفية قد استولت على قلمه وفكره وقلبه، وهذا يظهر بوضوح في مؤلفه الأول «الأوابد» ونتلمس هذا الأثر في افتتاحية الكتاب [٨]. حيث يقول:
«ربّ هل رتـّل البراهمة الا فرقانك، وطلبوا في الكهوف الا عرفانك، وهل انفتحت عن «بوذا» زهرة الكنج الا لذكرك؟ وهل هجر العالم الا لوجهك؟ وهل أملى «كونفوشيوس» إلا تعاليمك؟ وهل أراد «زرادشت» إلا ذكرك؟ وهل ضمن كتابه إلا حمدك؟ يا خالق الجن والإنس من سواك يحمي الخليقة بظلالك وهدايتك؟ ».
من هذا المثال تظهر طريقته في الإنشاء الأدبي، التي ضمنها روح المتصوفة، فهنا تتجلى بوضوح نزعة (وحدة الوجود) لدى العارفين. والذي يطالع أدب عزام لابد له أن يرى روح الشاعر تتجلى حتى في كتاباته العادية، وهو يميل إلى البساطة مع جزالة وقوة عبارته في نفس الوقت والطابع العام الذي يمثله أدب عزام هو البساطة التي ترتدي دائماً رداء العذوبة والرقة والجزالة، ولاتكاد روح الأديب الصوفية تتركه في أمن مقالاته أو مؤلفاته، وهو في بدايات حياته انشغل بهموم القضايا الاسلامية وكان لايخرج من مقال عن الرسول والاسلام حتى يدخل في مقال آخر.
والواقع أنّ نثر عزام من طراز الشعر يكثر فيه مايستحب في الشعر من مجاز فهو حين يناجي النيل الرابض على أعتاب منزله يقول:
«نزلت من المضائق الواسعة إلى الدوائر الضيقة، من الوجود المطلق إلى الوجود المقيد… ثم كدت أسير مع النيل إلى منتهاه، فيصلني بالأبد أو أرجع منه إلى منبعه فيسلمني إلى الأزل».

وهو حين يرى الأضواء المنعكسة على صفحة النيل يقول:
«رأيتُ النيل تتراءى في صفحته مصابيح ساكنة خافتة مطلة من شاطئ الجيزة».
وحين يصف الزرع في بدايات الصباح يقول:
«رأيت الزرع قائماً تسمه نسمات الفجر رفيقة مشفقة كأنها أم توقظ طفلها».

أما شعره فكان تقليدياً غلب عليه النظم المحكم في أوزانه الخليلية وقوافيه فلنستمع لحديث النجوم حيث يقول:
قد سمعت من النجوم حديثاً
إن سيل الزمان بالناس ماض
وسطـور الأعوام تُمحي وتنسـي
وقرأنا سطور هذي النجوم
جريه النهر مزبداً بالهشيم
بهـزيم الـريـاح أو بالنسيـم
ويخـط الأطفـال فـوق رمـال
ثـم تمحـو الأمـواج كـل رقيـم

*تصوف عزام*
لم يكن عزام صوفياً بالمعنى الشيخي والعبادي الذائب والمذهبي في التصوف… بل كان متصوفاً غير زاهد في الحياة، وكانت حياته الجامعية أستاذاً وعميداً لاتستطيع أن تفصله عن صوفيته فلا يكاد الجالس إليه يتحدث ويسمع حتى يحس أن شيئاًغير عادي يسيطر على أقواله وميول فكره [٩].
والحقيقة أن تصوف عزام تأتي من نشأته الدينية وطبيعته الشاعرة، وتتجلي في أعماله قبل أقواله.
فمن منطلق هذا التصوف سمى رباعياته بالمثاني، ورفض تسميتها بالرباعيات رغبة في تجنب المواقف الخيامية التي عرف بها الشاعر الكبير «عمر الخيام» فقد كان حديث الخيام عن الدنان والغلاميات والحانات، ولهذا كانت جفوة عزام من هذه الرباعيات [١٠]. رغم أنه حفظ الرباعيات عن ظهر قلب بالفارسية وحفظ ترجمتها الشعرية بالعربية باعتبارها من التراث الانساني الخالد.
وكذلك تصوفه الموضوعي لا الشكلي هو الذي جعله يهرب من زيارة قبر الخيام الى فيجة «العطار» الشاعر الصوفي الشهير وله في ذلك قصة سوف نتعرض لها.
لم تكن صوفية عزام ذات شطحات كشطحات بعض الصوفية إنما كانت صوفية محددة المعالم، علمية الطباع، بقول الدكتور المحاسني:
«إن صوفية عزام العلمية – إن صح هذا التعبير في الصوفية – تقوم على أسس سليمة مستخلصة من الدراسات الفلسفية، فهو قد اطلع على تاريخ الفرس «لبروان» وعلى كتاب التصوف الاسلامي «لنيكلسون» وورد كتباً مصدرها المنابع الصوفية وبخاصة كتب فريد الدين العطار… وقد درس التصوف من منابعة الأولى عند الامم فإذا نحا عزام منحى الدراسات الاسلامية وجد أن التصوف الاسلامي لم يأخذ من الفرس ولا الهند ولم يورد موارد اليونان وإنما هو نابع من ذات الروح الاسلامية» [١١].

*جهوده في الفارسية*

كانت البداية لاتصال عزام بالأدب الفارسي هي «الشاهنامه» كما أسلفنا، ثم تدرج إلمامه بالفارسية وتنوع فترجم بعض الأعمال الأدبية مثل مثنوي جلال الدين الرومي، واتجه إلى الشخصيات الصوفية الادبية البارزة وقام بدراسات وافية عنها مثل دراسته لفريد الدين العطار. ثم توج اهتماماته بالفارسية برحلاته إلى إيران وتسجيله لهذه الرحلات.
1- الشاهنامـه
من أهم جهود الدكتور عزام في مجال خدمة الفارسية، هو كتابته المدخل للشاهنامه، وقد قدم لهذا المدخل مقدمة وضح فيها كيفية اتصاله بالفارسية وآدابها، ورحلته مع الترجمة العربية للشاهنامه، وقد جعل «المدخل» في سبعة فصول: الأول عن «الملاحم» والثاني «القصص الفارسي» والثالث «أصول الشاهنامه» والرابع «نظم الشاهنامه»، وأفرد الخامس للحديث عن شخصية الفردوسي والسادس دار حول الشاهنامه والسابع والأخير هو عن المترجم والترجمة.

يقول في نشوء الملاحم:
«لكل أمة ذات أدب نصيب في القصص منظومة ومنثورة… وليس يواتي الشعر القصصي أمة إلا بعد تجارب ووقائع تهيج حميتها وتثير فيها الإعجاب بمآثرها، والفخر بأحسابها… وتنسج حول الحادثات كثيراً من الخرافات، يجد فيها كبرياء الأمة وخيالها مجالاً أرحب من مجال الحقيقة المحدودة فتنشأ قصص شتى منثورة ومنظومة.
وقد يتاح لهذه الحادثات الشتيتة، والأساطير المتفرقة شاعر يؤلف أشتاتها ويسلكها كلها في نظام واحد فتجد الناس شعره ترجمان مشاعرهم» [١٢].
ثم ينقل تلخيصاً مما قاله «مول» - مترجم الشاهنامه الى اللغة الفرنسية – عن نشأة الملاحم. ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الملاحم الكبرى مثل الالياذة والأوديسة والراميانا والمهابهارته وغيرها ليخرج بنتيجة أن الشاهنامه تفرق عن كل ذلك لأنها لا تدور حول البطل الواحد بل تستوعب تاريخ أمة، وكما قال عنها «نولدكه»: إنها ملحمة لا نظير لها لدى أمة أخرى.
هذا الاستعراض والتقنين الواعي كان من نتاج أعمال الأديب والأستاذ الكبير في بداية حياته فكيف بأعماله في مرحلة نضوجه العلمي. جدير بالذكر أن الدكتور «ذبيح الله صفا في معرض حديثه عن أهمية شاهنامه الفردوسي وترجماتها إلى اللغات المختلفة يقول إنه استعان بدراسة الدكتور عزام عن الشاهنامة إبان تحضيره لرسالته للدكتوراه [١٣].

*عزّام والمولوي*
كان للدكتور عزام في مجال الترجمة كتب عديدة، فقد نقل إلى العربية أهم المؤلفات التي دونت بالفارسية، منها «پيام مشرق» للشاعر الكبير إقبال، وديوان الأسرار والرموز لنفس الشاعر، وكذلك «چهار مقاله» لعروضي، وهذا بالاشتراك مع الدكتور يحيى الخشاب، بالإضافة إلى مقتطفات كثيرة من الشعر الفارسي والتركي نشرت في مجلة الرسالة وغيرها، وكذلك «ضرب الكليم» للشاعر إقبال. و «المثنوي» للشاعر الكبير جلال الدين الرومي.
في البداية قدم الدكتور عزام ترجمته بحديث عن بقاء تكايا المولوية في مصر والشام حتى العصر الحديث، وتحدث عن آثار هذه التكايا في تنشأة كبار الصوفية وإنعكاس آثارها على العالم الاسلامي.
وينتقل بعد ذلك إلى التعريف بالشاعر الفارسي الكبير جلال الدين الرومي وإلى انتساب المولوية إليه ويستعرض تاريخ حياة الشاعر وأسرته مستعيناً في ذلك بما كتبه مولانا جلال الدين نفسه في مقدمة المثنوي، وينتقل إلى الشخصية المؤثرة في حياة وفكر «مولانا» وهو شمس الدين التبريزي.
وبعد أن يعرّف آثاره الأدبية الخالدة، وهي المثنوي والديوان والرسالة المنثورة «فيه مافيه» يستعرض آراء جلال الدين في المسائل الفلسفية والصوفية والدينية والأخلاقية.
ويقول في حديثه عن المثنوي: منظومة صوفية فلسفية عظيمة تحوي خمسة وعشرين ألفا وسبعمائة بيت في ستة أجزاء، والجزء السابع الذي تشتمل عليه بعض النسخ منحول لا يشبه كلام جلال الدين.
وبعد التعريف بالكتاب ينتقل بنا عزام إلى الأجواء المولوية في ترجمة فصول من الكتاب، ونجد في البداية قصة التاجر والببغاء التي لخصها الأستاذ عزام كمايلي: «خلاصة هذه القصة أن تاجرا كان لديه ببغاء جميلة فصيحة وأزمع السفر إلى الهند للتجارة، فقال لأولاده وخدمه ليقترح كلٌ مايشاء من هدايا الهند، فاقترح كل واحد ماأحب وسأل الببغاء: ماتريدين؟ فقالت: إذا بلغت الهند ورأيت أسراب الببغاء فبلغهن عني ما ألاقي من عناء في الحبس وأبلغهنّ عتبي بما نسينني ونعمن بالعيش في الغابات على غصون الأشجار.
فما أبلغ التاجر هذه الرسالة إلى ببغاوات الهند حتى ارتعدت إحداهن وخرت ميتة، فلام التاجر نفسه علي إبلاغ رسالة لم يعرف عواقبها، ولما رجع إلى بلاده أدى الهدايا التي وعد بها، وسألته الببغاء عن رسالتها فأبان عن أسفه وندمه وقص عليها مارأى، فإذا هي تنتفض وتخرّ ميتة كذلك، فحزن التاجر على الببغاء الجميلة، ورجع يلوم نفسه ويندب ببغاءه التي كانت أنسه ومتعته، ثم أخذها من القفص ورمى بها، فإذا هي تطير وتقف على غصن شجرة، فاندهش الرجل وسألها عن هذه الأعجوبة، فقالت له: هذه هي الرسالة التي رجعت بها من الهند، فقد أشارت الببغاء التي خرّت أمامك هامدة هناك بأن أفعل فعلها وأموت موتها، لأخلص من الأسر الذي أعانيه».
وقد ترجم الدكتور عزام بعض أبيات المثنوي شعراً ونثبت هنا مثالاً من هذه الترجمة من نفس القصة السابقة:
تاجر كان لديه ببغاء قد حواها قفص ذات رواء
أزمع التاجر هجران الحضر
ولأرض الهند قد رام السفـر

*عزام ومحمد إقبال*
يقول الدكتور عزام:
«سمعت وأنا في بلاد الانكليز، قبل وفاة الشاعر بأكثر من عشر سنين، أن في الهند صوفياً اسمه إقبال له نظرات في التصوف وله فلسفة في النفس، وأنا نزّاع إلى الصوفية منذ نشأت، وزادني معرفة بها ورغبة فيها وحباً بالمزيد منها، أن تعلمت الفارسية، وقرأت الشعر الفارسي» [١٤].
كان الدكتور عزام هو أول من نقل أدب الشاعر الباكستاني الكبير محمد إقبال إلى اللغة العربية، وتوطدت العلاقة بينهما، وظل وفيا له بعد وفاته وترجم له «رسالة الشرق» و «ضرب الكليم» ونشر الأول في كراتشي عام ١٩٥٠ ثم نشر الثاني في القاهرة وتفرغ بعد ذلك لترجمة «أسرار خودي ورموزبي خودي».
أفاض الدكتور عزام في مقدمة كتابه «محمد إقبال» سيرته وفلسفته وشعره عن بدايات صداقته بالشاعر الباكستاني، وكيف أن الشاعر محمد عاكف هو الذي أتى إليه بديوان «رسالة الشرق» وقرأ له مقاطع منه وكانت البداية، وشرع الدكتور عزام يحدث الناس عن إقبال في مجالسه وفي مجلة الرسالة، وكذلك في الجامعة خلال إلقائه المحاضرات.
والحقيقة أن العلاقة بين الرجلين حتى وفاة «محمد إقبال» كانت وثيقة لدرجة أن الدكتور عزام قد سافر إلى لاهور إبان الفتنة القائمة – هناك – وكان هذا بعد مرور تسع سنوات على رحيل إقبال، وذهب إلى قبر صديقه حاملاً قطعة من الرخام نقشت عليها أربعة أبيات وثبتها على القبر وهي:
عربي يهدي لروحك زهرا
كلمات تضمنت كل معنى
بلسان القـرآن خطـت ففيهـا
ذا فخار بروضة واعتزاز
من ديار الإسلام في إيجاز
نفحـات التنـزيـل والاعجـاز
فاقبلنها على ضآلة قدري
فهي فـي الحد «أرمغـان الحجـاز»
وتعد أشهر مؤلفات «إقبال» والتي ترجمها الدكتور عزام هي رسالته
«پيام مشرق» = رسالة الشرق والتي كتبها جواباً لديوان الشاعر الألماني «جوته» والذي سماه «ديوان الشرق». وتحتوي «رسالة الشرق» على خمسة أقسام وهي:
١ـ شقائق الطور.
٢ - الأفكار.
٣ - الخمر الباقية.
٤ - نقش الافرنج.
٥ - الدقائق.
ويقول الدكتور عزام أن أعظم أجزاء الكتاب قيمة هو الجزء الثاني وهو يحتوي على أفكار شتى في صور من الوزن والقافية مختلفات.
ونذكر أبياتاً من شعر «محمد إقبال» مترجماً بلسان صديقه عزام:
وحوراء في الخلد ضاقت فقالت
يحيّر عقلي نهار وليل
غدت ريح ورد وذرت بغصن
وتفتـح عينـاً ويبسـم كمـاً
قد جهلنا بما تحتنا من جهات
وما قيل عن مولد أو ممات
فحلت بعالم ماضٍ وآت
وبعد نماء هـوت فـي شتات
لهذى الطليقة لم تبق ذكرى
سـوى آهـة سميـت بالشـداة
عاب البعض على الدكتور «عزام» ترجمته أعمال إقبال الشعرية إلى شعر لصعبوتها لانها تفقد النص الأصلي خصائصه، لكنه اختار الأصعب لإحساسه أن الشعر لابد ان يترجم الى شعر.
ونختم حديثنا عن إقبال بمقطوعاته الفلسفية من (أسرار خودي) والتي اتحدت شخصية الشاعرين فيها:
أنا لحن دون ضرب سعدا
كم تجلي شاعر بعد الحمام
وجهه من ظلمة الموت سفر
كم بهذا السهب مرت قافلة
غيـر أنـي عاشـق دف النواح
لا تفـي مـوجي هـذي الأنهـر
أنا صوت شاعري يأتي غدا
يوقظ الأعين حينا وينام
ونما من قبره مثل الزهر
كحفاف النوق رهواً سابله
ثورة المحشر مني في الصبـاح
لا يعـي موجـي إلا الأبحـر

التصوف وفريد الدين العطار [١٥].
تناولنا تصوف الدكتور «عزام» وأوضحنا أن تصوفه كان له ميزة خاصة وهي عدم انقطاعه عن الحياة بل تفاعله التام مع قضاياه وحياته، وقد كان يرى أن مبدأ التصوف موجود في القرآن الكريم ذاته مثل قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ( [١٦].
وعندما اختار الدكتور عبدالوهاب عزام شخصية «فريد الدين العطار»، كان السبب أنه رأى العطار جديراً بذلك وهو الذي نظم زهاء أربعين منظومة في التصوف، وكان هدفه التعريف به في العالم العربي.
واهتم «عزام» بأمهات المسائل التي يدور عليها تصوف العطار، وشرح بدقة فكرة التصوف ونشأتها وتطورها.
وقد أوضح في دراسته الصلة الوثيقة بين الأدب العربي والفارسي والآداب الاسلامية الأخرى في مجال التصوف. وأوضح كيف كان التصوف عاملا هاماً في إثراء الأدب، فقد استقل الأدب الصوفي بكيانه وأصبحت له مؤلفات شعرية ونثرية وفلسفية أثرت الأدب الاسلامي بشكل عام.
ويتحدث بعد ذلك عن الشعراء الفرس المتصوفة ويعددهم، ويخرج بنتيجة أنه لايكاد يخلو أحد الشعراء الفرس من نزعة صوفية، ويصل إلى العطار ويستعرض تصوفه وأسلوبه ويطرح الاسئلة التي يجيب عنها محاولا تحديد معالم شخصيته الصوفية، وينتقي بعضاً من أقواله التي تتضارب في تحديدها الطريقة المثلى للعشق هل بالبوح أو بالإفشاء؟ ويوضح أن الشاعر تردد بين هاتين الحالتين فهو تارة يعجب بالحلاج الذي عد إماماً في إفشاء السر، وتارة يلومه على ذلك لعدم إمكانه كتمان أسرار الطريقة.
ويستعرض عزام كتاب العطار «منطق الطير» ويجمل لنا قصة الطير، ويعرفنا على الغاية التي أوضحها العطار في نهاية القصة وهي تعتبر خلاصة آرائه في الطريقة.
ومجمل القصة أن الطير اجتمعت فتشاكت ماهي فيه من الفوضى والتفرق وأنها تفتقد الزعيم الذي يوحد كلمتها في الوقت الذي لاتوجد أمة تخلو من ملك ويقدم الهدهد نفسه، ثم يقول إنه يعلم أن لهم ملكاً ولكنه يعجز عن المسير إليه وحده، وعليهم أن يتعاونوا ليبلغوا مكانه.
«ملكنا اسمه السيمرغ، وراء جبل اسمه قاف [١٧] هو منا قريب ونحن بعيدون، هو في حرم جلاله لا يحيط البيان بوصفه، ودونه آلاف من الحجب، وأول العهد به أنه كان طائراً في سماء الصين، فسقطت من جناحه ريشة فقامت قيامة الامم تعجباً من ألوانها العجيبة. ألم تسمعوا الاثر: اطلبوا العلم ولو في الصين» [١٨].
فلما سمعت الطير مقال الهدهد هاجها الشوق إلى السيمرغ وأزمعت الرحيل إليه ثم ذكرت ما في الطرق من أهوال فأخذ كثير منها يعتذر.
وبعد مناقشات طويلة، يتم اختيار الهدهد ليتولى الامارة في الطريق إلى السيمرغ، وتعاني الطيور من وحشة الطريق، ويردد الهدهد بأقواله المأثورة، وفي النهاية سارت الطير فرأت طريقاً ولاغاية، وألما ولا دواء، هناك توهب الاستغناء، فينحني لها ظهر السماء، هنالك صحراء لا يعبأ فيها بطاووس الفلك، فكيف بطير هذه الدنيا!!
كانت هذه اشارة إلى بعض جهود الدكتور عبدالوهاب عزام في خدمة اللغة الفارسية عن طريق الترجمة لكبار شعرائها وروّادها.

*عـــــــــــزام في إيران*
رحلات عبدالوهاب عزام، هو اسم الكتاب الذي دونه عزام في رحلاته العديدة إلى البلدان العربية والشرقية. ولم يكن يحمل مواصفات «الرحلة» بالمعنى الدقيق ولهذا جاء كتابه على هيأة مشاهدات سريعة، وقد دون عزام مشاهداته بعين الشاعر وإذا حاول أن يطبق منهج الرحالة في وصف مكان ما نجده يستشهد بفقرات المعاجم، فهو على سبيل المثال حينما يرسم لنا صورة لأطلال قصور كسرى يستعير قول ياقوت.
«وفيه أبنية عظيمة شاهقة يكل الطرف عن تحديدها، ويضيق الفكر عن الاحاطة بها، وهي إيوانات كثيرة متصلة وخزائن وقصور وعقود ومنتزهات ومستشرفات وأروقه وميادين ومصايد وحجرات تدل على طول وقوة» [١٩].

عند طاق كسرى
حين وقف به الأديب الكبير، تمثل الايوان إبان حضارته وفي زهو مجده ولكنه الآن أمامه «نسراً هرماً ذهبت الحادثات بأحد جناحيه وهاضت الآخر وقصت ريشه، لكنه مازال في كبريائه يتجلد رافعاً رأسه طامح الطرف يرمي بنظراته أقطار السماء يحاول أن يسترجع في اللوح سيرته الأولى».
ويغوص الصوفي الشاعر في أعماق نفسه، ويحاكي الايوان بما يدور في خلده من شعر البحتري:
حلم مطبق على الشك عينـي
ليس يـدرى أصنع أنـس لجـن
أم أمان غيرت ظني وحدسـي
سكنـوه أم صنـع جن لإنـس
وينظر حوله ليشاهد الجدران الملونة والتي تقص ملحمة الفرس العظيمة ويغيب الواقع في هذه الأجواء فيردّد أبياتاً من سينية البحتري.
وقبل أن يستجمع أشتاته للرحيل، وبعد أن يفيق الدكتور «عزام» من أحلامه وإنشاده يذكر بيتاً للخاقاني الذي وقف بعد ثلاثة قرون من البحتري في نفس هذا المكان ليصيح: أيها القلب المعتبر سرّح نظرك واتخذ العِبرَ من إيوان المدائن.
من قصر شيرين إلى همذان
مدينة صغيرة على طريق خراسان، وعلى نهر حلوان، سميت باسم القصر الذي بناه كسرى برويز لامرأته شيرين، ولاتزال أطلال قصور كسرى قائمة إلى الشمال والشرق من المدينة.
هكذا وصف «عزام» قصر شيرين، وحينما يريد أن يدقق الوصف، تأبي طبيعته الشاعرة أن تطاوعه، فيستعير أوصاف المدينة من أقوال ياقوت كما أسلفنا «وفيه أبنية عظيمة شاهقه – يكل الطرف الخ».
وحلوان المدينة القديمة المذكورة في الأخبار والأشعار قريبة من قصر شيرين، وكانت مدينة كبيرة عامرة ثم خربت منذ القرن الثامن عشر، قلم يبق منها الأطلال ونخلتا حلوان وقصصها وماقيل فيها من الأشعار أحاديث معروفة في كتب الأدب.
ويمر من قصر شيرين على «كرمنشاه» ويصعد جبلاً اسمه «كوه باطاق» وتعريبه (الجبل ذو الطاق) وينحدر إلى سهل مدينة «شاه آباد» المحفوفة بالبساتين ويبلغ مدينة «قرميسين» وهي مدينة يشقها نهر «قره صو» (الماء الأسود) وبها أسواق كبيرة، وقد نزلها هارون الرشيد.
من همذان إلى طهران
عندما مرّ «عزام» بمدينة «أسد آباد» قيل له إنها مسقط رأس «جمال الدين الأفغاني»، ثم وصل همدان فوصفها بأنها مدينة عظيمة قديمة، ذات أشجار باسقة، وبساتين واسعة، وهي بلدة بديع الزمان وأحمد بن فارس وابن الفقيه وفيها مرقد الشيخ الرئيس أبي علي سينا.
وذكر «عزام» أن همذان فيها من اليهود ألفين، ولهم مزار خاص يسمى (ايستر ومردخاي) وهما امرأة ورجل من اليهود ذكرت أخبارهما التوارة. ويصل بعد ذلك إلى مدينة قزوين ويقول إنه ترك قزوين صباح الأربعاء ١٣ اكتوبر ١٩٣٤ ليصل إلى طهران لحضور «مؤتمر الفردوسي».
وهكذا وجد نفسه في حضرة «الفردوسي» الشاعر الذي بدأ معه مشواره في طريقه إلى آفاق الأدب الفارسي وأخذ فيه درجة العالمية (الدكتوراه) ويفتتح المؤتمر كفيل وزارة المعارف (علي أصغر حكمت) ثم يلقي الشاعر العراقي الزهاوي قصيدة عربية، ثم جاء دور عزام العاشق الذي طالما حلم بيوم يرى فيه أرض الفردوسي، جاء الوقت الذي يتحدث فيه عن الفردوسي وبلسانه الفارسي وكان حديثه عن «مكانة الشاهنامة في آداب الأمم».
وعن كلمته التي ألقاها قالت جريدة «اطلاعات»: «ثم ألقى الدكتور عبد الوهاب عزام معلم الأدب الفارسي والعربي في الجامعة المصرية خطبة بالفارسية».
وقال فيه كفيل وزارة المعارف: «الشكر للدكتور عبدالوهاب عزام من جهتين، الأولى أنه تحمل مشقة في ترجمة الشاهنامه وتصحيحها والتعليق عليها. والثانية أنه تكلم بلغة الشاهنامه… والحق أن لساني قاصر عن الشكر، والأستاذ عزام من أدباء الشرق الذين درسوا الفارسية برغبة وعشق وكلف خاص».
ولما جلس الدكتور عزام في مكانه – بعد الخطبة – نهض رئيس المؤتمر فقال: «لقد أردت أن تثبت أنك أستاذ الأدب الفارسي بحق».
من طهران إلى نيسابور
وبعد وصف أحداث المؤتمر، يصف «عزام» أبنية طهران الفخمة مثل مسجد سبهسالار. وينتقل بعد ذلك إلى نيسابور ماراً بطريق وعرة تحفها الجبال.
ونيسابور هي مدينة عامرة بالمشاهير، فهي بلدة «مسلم» صاحب «الصحيح» وأبي القاسم القشيري صاحب «الرسالة القشيرية» وفريد الدين العطار وعمر الخيام. ويورد «عزام» قول

**عمر الخيام:**
شـراب نيشـاور وآب بيـر
جـواني كند كو خورد مرد پـير
ومعناه:
شراب نيسابور وماء بئر / يردان الشيخ إلى شبابه.
ويعود مرة أخرى إلى «ياقوت» فهو يرى في نيسابور عظماءها وشعراءها، وعلى ياقوت أن يصف لنا تاريخها ويستشهد عزام بأقوال «ياقوت» عن أحداث عام ٥٤٨ للهجرة.
وعند قبر الخيام، نجد عزام يصفه وصفا دقيقاً من أول المدخل ووصف القبر ثم يصف بعد ذلك كيف انتبذ هو وزميله العبادي جانباً وترك القوم وخيّامهم وسأل أحد الايرانيين:
أين قبر العطار؟ ويصف الطريق إلى العطار وكيف كانت رحلة شاقة على طريق غير معبدة، ثم يصف بدقه مقبرة «العطار».
وهو حين يتحدث عن «العطار» يقول: لبثنا برهة في حضرة شيخ الصوفية الجليل والشاعر المفلق المكثر الذي نظم زهاء ثلاثين منظومة فيها أكثر من ألف ألف بيت وهي في مؤلفاته: منطق الطير – إلهي نامه – أسرارنامه وتذكرة الأولياء وغيرها.
ثم بؤنا بغير ماباء به أصحاب الخيام، والقلب خاشع والذكرى الجليلة أخذت على النفس آفاقها.
وبينما كنت أخرج من حديقة العطار أحسست بوخزة في كفي فظننت زنباراً لسعني فأخبرت صديقي الشاعر الياسمي فضحك وقال: قبلت الزيارة…ولما رجعنا إلى قبر الخيام قال بعض الحاضرين: كيف تركتم الخيام إلى العطار؟ قلت: لكل رجل وجهة، وأن لم يكن من القياس بد فصاحبنا أعظم من صاحبكم، وأكرم حياة وأعظم أثرا.

*المثــــــــــــــــــــــــاني*
هي رباعيات كثيرة، تكاد تبلغ ثلاثمائة رباعية، نظمها في الاستغراق الصوفي والفلسفة والتعبد، ولكن يبدو أن سبب تسمية الدكتور «عزام» لهذه الرباعيات «بالمثاني» هو تمييزها عن رباعيات الخيام.
وكتب عباس محمود العقاد لهذه المثاني مقدمة جاء فيها: «إن السليقة هي التي أوحت إلى شاعر المثاني في نظمها لا التقليد لاقبال في منظوماته».
وقال كذلك: «أنه لم يسبق إليه تعرفه قراء العربية بتاريخ الرباعية في الآداب الفارسية والعربية فهو أوفى ماكتب بلغتنا في هذا الموضوع».
والدكتور عزام في تعريفه لمثانيه لم يصنفها تصنيفاً خاصاً وإنما جعلها أقساماً وفوق كل قسم منها رقماً جاء متسلسلاً.
وقد أشار إلى أن كل الرباعيات جاءت من البحر الخفيف إلا رباعيتين قد جاءتا على بحر الرمل، يقول عزام في إحدى مثانيه «فراش وزهر» [٢٠].
أيتها الزهرة الجميلة، ماذا
ولمـاذا تطير عنـك لأخـرى
قد أسرت فراشة في الخطاب
ثم تهفو إليـك رجـع جـواب
وفي هذه المثنوية الجميلة يتساءل بحيرة: هل كانت النجوم موجودة قبل البحور ونظرت فلم تر وجهها في الماء؟ !
لهدير البحار تصغي نجوم
هل أطلت هـذى الكواكب يومـا
في ضياء على البحار منير
لا تـرى الوجه فـي مرايا البحور
ونختم حديثنا عن الرجل العظيم بمقطوعة صوفية هي من فرائده الجميلة وقد أثبتها في «النفحات»: [٢١].
قيل: ليل مظلم، قلت: اذكروا
قيل: غيم مطبق قلت: انظـروا
قيل: سهـب طمست أعـلامه
في ظلام الليل إشراق الصباح
رب نجم مـن وراء الغيـم لاح
قلت: لكـن فيـه آيات صحـاح
وقال في «خلوة»:
إن في خلوة النفـوس لأنسـاً
هـي فـي ضجـة الأنام سكون هي في ظلمة الليالي ضياء
من يضـق بالخـلاء نفساً فإني
ليس كفئاً لخلوةٍ كـل نفس
يسمع القلب عنده كل همـس
لا تراه النفوس في ضوء شمس
أجد الخلـوة الطـويلـة أنسـي
عبد الوهاب عزام في سطور

إلي لقائنا القادم
" سلوقس"

سلوقس
عضو مبتدئ
عضو مبتدئ

عدد الرسائل : 7
العمر : 28
الدولة / المدينة : سوريا - حلب
تاريخ التسجيل : 18/02/2010

http://www.adabfarsi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

متميز رد: رائد الدراسات الفارسية في مصر"عبد الوهاب عزّام"

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء سبتمبر 01, 2010 9:04 am

موضوع خوش وزيبا برادرم سلوقس دست درد نكنه

Admin
Admin

عدد الرسائل : 316
العمر : 52
الدولة / المدينة : القاهرة
تاريخ التسجيل : 07/11/2008

http://azharfarsy.nojoumarab.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى